العيني
200
عمدة القاري
حديث النزول قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه صحيحة ، وورد في التنزيل ما يصدقه ، وهو قوله : * ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) * ( الفجر : 22 ) . الثالث : أن قوما أفرطوا في تأويل هذه الأحاديث حتى كاد أن تخرج إلى نوع من التحريف ، ومنهم من فصل بين ما يكون تأويله قريبا مستعملاً في كلام العرب ، وبين ما يكون بعيدا مهجورا ، وأولوا في بعض وفوضوا في بعض ، ونقل ذلك عن مالك . الرابع : أن الجمهور سلكوا في هذا الباب الطريق الواضحة السالمة ، وأجروا على ما ورد مؤمنين به منزهين لله تعالى عن التشبيه والكيفية ، وهم : الزهري والأوزاعي وابن المبارك ومكحول وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهم من أئمة الدين . ومنهم الأئمة الأربعة : مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد . قال البيهقي في ( كتاب الأسماء والصفات ) : قرأت بخط الإمام أبي عثمان الصابوني ، عقيب حديث النزول : قال الأستاذ أبو منصور يعني الجمشاذي : وقد اختلف العلماء في قوله : ( ينزل الله ) ، فسئل أبو حنيفة فقال : بلا كيف ، وقال حماد بن زيد : نزوله إقباله . وروى البيهقي في ( كتاب الاعتقاد ) بإسناده إلى يونس بن عبد الأعلى ، قال : قال لي محمد بن إدريس الشافعي : لا يقال للأصل : لِمَ ولا كيف ، وروى بإسناده إلى الربيع بن سليمان ، قال : قال الشافعي : الأصل كتاب أو سنة أو قول بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع الناس قلت : لا شك أن النزول انتقال الجسم من فوق إلى تحت ، واا منزه عن ذلك ، فما ورد من ذلك فهو من المتشابهات ، فالعلماء فيه على قسمين : الأول : المفوضة : يؤمنون بها ويفوضون تأويلها إلى الله ، عز وجل ، مع الجزم بتنزيهه عن صفات النقصان . والثاني : المؤولة : يؤولون بها على ما يليق به بحسب المواطن ، فأولوا بأن معنى : ينزل الله : ينزل ى مره أو ملائكته ، وبأنه استعارة ، ومعناه : التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك ، وقال الخطابي : هذا الحديث من أحاديث الصفات ، مذهب السلف فيه الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنه : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وقال القاضي البيضاوي ، لما ثبت بالقواطع العقلية أنه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه ، فالمراد دنو رحمته ، وقد روي : يهبط الله من السماء العليا إلى السماء الدنيا ، أي : ينتقل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي الأنفة من الأراذل وقهر الأعداء والانتقام من العصاة إلى مقتضى صفات الإكرام للرأفة والرحمة والعفو ، ويقال : لا فرق بين المجيء والإتيان والنزول إذا أضيف إلى جسم يجوز عليه الحركة والسكون والنقلة التي هي تفريغ مكان وشغل غيره ، فإذا أضيف ذلك إلى من لا ليق به الانتقال والحركة ، كان تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته تعالى . فالنزول : لغة ، يستعمل لمعان خمسة مختلفة : بمعنى الانتقال : * ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) * ( الفرقان : 84 ) . و : الإعلام * ( نزل به الروح الأمين ) * ( الشعراء : 391 ) . أي : أعلم به الروح الأمين محمدا صلى الله عليه وسلم ، وبمعنى : القول * ( سأنزل مثل ما أنزل الله ) * ( الأنعام : 39 ) . أي سأقول مثل ما قال ، والإقبال على الشيء ، وذلك مستعمل في كلامهم جار في عرفهم ، يقولون : نزل فلان من مكارم الأخلاف إلى دنيها ، ونزل قدر فلان عند فلان إذا انخفض ، وبمعنى : نزول الحكم ، من ذلك قولهم : كنا في خير وعدل حتى نزل بنا بنو فلان ، أي : حكم ، وذلك كله متعارف عند أهل اللغة : وإذا كانت مشتركة في المعنى وجب حمل ما وصف به الرب ، جل جلاله ، من النزول على ما يليق به من بعض هذه المعاني ، وهو : إقباله على أهل الأرض بالرحمة والاستيقاظ بالتذكير والتنبيه الذي يلقى في القلوب ، والزواجر التي تزعجهم إلى الإقبال على الطاعة . ووجدناه ، تعالى ، خص بالمدح المستغفرين بالأسحار ، فقال تعالى : * ( وبالأسحار هم يستغفرون ) * ( الذاريات : 81 ) [ / ح . قوله : ( عز وجل ) ، وفي بعض النسخ : ( تبارك وتعالى ) ، وهما جملتان معترضتان بين الفعل والفاعل وظرفه : لما أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة إلى الله تعالى ، وأتى بما يدل على التنزيه على سبيل الاعتراض . قوله : ( حين يبقى ثلث الليل الآخر ) ، وعند مسلم : ( ثلث الليل الأول ) ، وفي لفظ : ( شطر الليل أو ثلث الليل الأخير ) ، وههنا ست روايات : الأولى : هي التي ههنا وهي : ثلث الليل الأول . الثانية : إذا مضى الثلث الأول . الثالثة : الثلث الأول أو النصف . الرابعة : النصف . الخامسة : النصف أو الثلث الأخير . السادسة : الإطلاق ، والمطلقة منها تحمل على المقيدة ، والتي بحرف الشك ، فالمجزوم به مقدم على المشكوك فيه . فإن قلت : إذا كانت كلمة : أو ، للترديد بين حالين ، كيف يجمع بذلك بين الروايات ؟ قلت : يجمع بأن ذلك يقع بحسب اختلاف الأحول ، لكون أوقات الليل تختلف في الزمان وفي الآفاق باختلاف تقدم دخول الليل عند قوم وتأخره عنه آخرين ، وقد مر الكلام فيه من وجه آخر عن قريب . فإن قلت : ما وجه التحصيص بالثلث الأخير الذي